ابن كثير
143
البداية والنهاية
تذكرون نعمة ، ولا تشكرون معروفا ، ما استخفكم ناكث ، ولا استغواكم غاو ، ولا استنقذكم عاص ، ولا استنصركم ظالم ، ولا استعضدكم خالع ، إلا لبيتم دعوته ، وأجبتم صيحته ، ونفرتم إليه خفافا وثقالا ، وفرسانا ورجالا . يا أهل العراق هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره ؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ ؟ ألم تزجركم الوقائع ؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته ، ويذقكم حر سيفه ، وأليم بأسه ومثلاته ؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر ( 1 ) ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذباب . يا أهل الشام ! أنتم ( 2 ) الجنة والبرد ، وأنتم الملاءة والجلد ، أنتم الأولياء والأنصار ، والشعار والدثار ، بكم يذب عن البيضة والحوذة ، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى . قال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن الحسين ، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي : سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال : كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسنا - إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها ، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور ، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها ، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها ، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور . ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ : الرجل وكلكم ذاك الرجل ، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله ، وكفها بزمامها عن معاصي الله ، رحم الله امرءا رد نفسه ، امرءا اتهم نفسه ، امرءا اتخذ نفسه عدوة امرءا حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره ، امرءا نظر إلى ميزانه ، امرءا نظر إلى حسابه ، امرءا وزن عمله ، امرءا فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ويراه في ميزانه ، وكان عند قلبه زاجرا ، وعند همه آمرا ، امرءا أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله ، فان قاده إلى طاعة الله تبعه ، وإن قاده إلى معصية الله كف ، امرءا عقل عن الله أمره ، امرءا فاق واستفاق ، وأبغض المعاصي والنفاق ، وكان إلى ما عند الله بالأشواق . فما زال يقول امرءا امرءا ، حتى بكى مالك بن دينار ( 3 ) . وقال المدائني : عن عوانة بن الحكم قال : قال الشعبي : سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد ، يقول : أما بعد فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ولا بقاء لما كتب عليه الفناء . فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقهروا طول الامل بقصر الاجل ( 4 ) . وقال المدائني عن أبي عبد الله الثقفي ، عن عمه قال : سمعت
--> ( 1 ) في العقد الفريد : المدر ، وفي مروج الذهب : القذى . والظليم : ذكر النعام . الرامح : المدافع . ( 2 ) في العقد : أنتم الجبة والرداء ، وأنتم العدة والحذاء . ( 3 ) انظر العقد الفريد 2 / 153 . ( 4 ) انظر مروج الذهب 3 / 185 .